الحارث المحاسبي

19

المسائل

ما زالت به العداوة ، حتى حلّ على الندم ، فلما يئس اللعين وفارق أهل الطهارة ، صار لريادة أهل النجاسة ، ونظر لما أرادوا ، وأمّل بهم من المبالغة في العداوة ، وإنه لبصير بعداوتك ، إذ اختارها على السعادة وعلى مقام السعداء ، فصار من دار الطهارة طريدا ، وألبسه اللّه اللعنة فصار بها شريدا . انزع عنه نور البهاء ، إنّ ربك لرؤوف رحيم ، ادخل بعداوتك إياه السعادة ، وأحلّ به بعداوتك له الشقاوة . ولو لم تعاده إلا لعداوته لأبويك ، لكان ينبغي لك أن تعاديه . أما علمت ما حلّ بهما ، وإلى ما صارا بعداوته إياهما ، وما نزع عنهما من ثياب النور ، وأخرجهما إلى الشدة من السرور ، فأهبطهما من دار النعيم ، إلى مقاساة العيش العسير . حسدهما فأضلهما مع لذيذ عيشهما ، فأوجب اللّه أن يتعبهما بعد الدعة ، وأن يذيقهما المرارة بعد اللذة ، وأن يريهما منهما ما ستر عنهما من العورة . أما إنهما قد نوديا بتحذيره ، لكنه غرهما بفجوره ، وأظهر لها الثقة بالقسم ، وغيب عنهما أعسر ما أضمر ، فوافق منهما نسيان عهدهما مع عزهما ، فلما واقعا الخطيئة ، نزع عنهما لباس النعمة ، وصارا في ذلهما . فولّيا هاربين مما حلّ بهما من الوحشة ، مستحبين مما وقعا فيه من الخطيئة ، فنوديا : ألم أخبركما بعداوته ، وأنهكما عنه . فلما سمعا النداء ، وأنه وقع بهما البلاء ، علما أنه لا منجي لهما منه إلا إليه ، فأقبلا بالإنابة مسرعين ، وأعطيا التوبة طائعين ، فاستعطفا عطوفا ، واسترأفا رؤوفا ، لما أقرا بالذنب ، واعترفا بالذل ، فقالا : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا [ الأعراف : 230 ] . فغفر لهما ، ومدحها بحسن رجعتهما ، وسرعة إنابتهما ، فعفا عنهما وغفر زلتهما ، فلم يثبتهما لسوء فعلهما ، ومدحهما بحسن فعالهما ، وبرأهما بعد معصيتهما ، وصارا في الطهارة . فأما عدوهما فصار في سنته ، ولم ينزع عن غيّه « 1 » ، واختار ما أراد من عماه على رشده ، فلم ينزع عن خطيئته ، وبقيت عليه لعنته ، فنال طول البقاء ، بما نزل به من البلاء .

--> ( 1 ) الفيّ : الضلال .